الارشيف / اخبار مصر اليوم / المصرى اليوم

قلبى على وطنى

ما يحدث فى منذ يناير 2011 حتى الآن يضعنا بامتياز ضمن قائمة الدول التى مرت بمراحل تحول كبرى. خلال هذه الفترة تولى حكم مصر 4 رؤساء، وتم تشكيل عدد كبير من الحكومات، واستفتاء الشعب على أكثر من دستور، وانتخاب أكثر من برلمان.

الأسئلة التى تراودنى، وتراود الكثيرين غيرى، هى: هل نحن بصدد تحول من نظام سياسى سلطوى لنظام سياسى أكثر انفتاحا وحداثة؟ وهل نحن بصدد تحول من نظام اقتصادى يحقق معدلات نمو معقولة تستحوذ على جلها قلة مقربة ممن يحكم إلى نظام اقتصادى يحقق معدلات نمو مرتفعة يقتسم عوائدها الجميع؟ وأخيرا، هل نحن بصدد تحول من نظام لا يعنيه مبدأ تكافؤ الفرص كثيرا إلى نظام يضمن فرصا متساوية لكل المصريين، بغض النظر عن ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجغرافية؟

على المستوى الشخصى، أود بالطبع أن نكون بصدد التحول إلى الأفضل على كل الجبهات، وهذه ليست أضغاث أحلام على خلفية أن ملايين المصريين خرجوا للميادين مرتين سعيا لتحقيق هذا الحلم. على المستوى الموضوعى، نحن نعلم أن التمنى لا يصنع مستقبلا، وأن استقراء المستقبل لا يستقيم دون التمعن فى تجارب الدول التى سبقتنا. فى هذا الإطار، دعونا نتساءل: هل تؤدى الثورات دائما إلى التحول من نظم سلطوية إلى نظم ديمقراطية؟ وما هى العوامل الحاكمة فى تجارب التحول الناجحة؟ وأخيرا، أين نحن من كل هذا؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول، تفيد الإحصاءات المبنية على ما يسمى «بوليتى إنديكس» بأن العالم شهد أكثر من 100 محاولة تغيير فى نظم الحكم فى نصف القرن الأخير. المدهش أن حصاد هذه المحاولات لم يكن دائما فى اتجاه مزيد من الديمقراطية. على الجانب الإيجابى، وصل عدد حالات التحول من نظم سلطوية إلى نظم ديمقراطية 48%. على الجانب الآخر، يشير نفس المصدر إلى أن 29% من هذه التجارب لم تصل إلى نهايتها بعد، وأسوأ من ذلك أن 22% منها تحولت من نظم ديمقراطية إلى نظم سلطوية. ليس هناك ما يضمن إذن أن تجارب التحول تنتهى دائما نهايات سعيدة.

السؤال المنطقى التالى هو: لماذا تنجح بعض الدول فى التحول نحو الديمقراطية وتفشل دول أخرى؟ ليس هناك إجماع بين الباحثين فى الاقتصاد السياسى على إجابة هذا السؤال، لكن هناك شبه إجماع على الدور الفاعل للنخبة السياسية فى المجتمع من جانب، وسمات المجتمع الهيكلية من جانب آخر. تنجح عملية التحول الديمقراطى عندما ترى النخب السياسية المؤثرة أن التحول الديمقراطى يخدم مصالحها، وهو ما يدعوها لتقديم تنازلات والتعاون مع القوى الأخرى. السمات الهيكلية المؤثرة تشمل جوانب اقتصادية (مثل القطاعات المهمة فى الاقتصاد، ومستوى الدخل، وعدالة توزيعه)، وجوانب اجتماعية (مثل الأوزان النسبية لجماعات المصالح من عمال، وفلاحين، والطبقة المتوسطة، وملاك الأراضى، والقطاع الخاص)، ومنظمات المجتمع المدنى، والتأثير الخارجى. المحصلة الأخيرة تعتمد على التفاعل بين النخب السياسية فى إطار السمات الهيكلية لكل دولة.

ما هو موقع مصر من كل هذا الكلام؟ من المؤكد أن لكل منا رأيا بخصوص المستقبل، وأن لكل رأى وجاهته. من جانبى، أرى وجاهة رأى «ميلانى كاميت» (أستاذة العلوم السياسية بجامعة هارفارد)، الذى ورد فى أحد فصول كتاب قمت بتحريره العام الماضى، بالاشتراك مع «إسحق ديوان»، تحت عنوان «اقتصاديات الشرق الأوسط فى فترات التحول». خلاصة هذا الرأى أن مستقبل مصر يتوقف على استعداد النخبة السياسية، بما فى ذلك القوات المسلحة والمجتمع المدنى بفصائله المختلفة، على التوصل إلى توافق حول بناء نظام ديمقراطى حديث. مثل هذا التوافق وضع تونس على بداية الطريق الصحيح، ومصر لا تستحق أقل من ذلك.

حتى الآن، ليس واضحا أننا نسير بخطى ثابتة نحو التحول الديمقراطى. صحيح أننا نجحنا عام 2014 فى تبنى دستور يصلح لبناء دولة مدنية حديثة، وأجرينا انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة بدرجة معقولة. لكن الممارسات السياسية بعد ذلك لم ترق للمستوى المطلوب لإنضاج عملية التحول السياسى. مسؤولية النخب السياسية، من هم فى الحكم أو خارجه، أن تجد مخرجا آمنا للتقدم بثبات على المسار الديمقراطى دون إقصاء، عدا من شاركوا فى الإرهاب. حتى ذلك الحين، ليس لدىّ ما أقوله غير «قلبى على ولدى ووطنى».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة كتاب المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا