اخبار مصر اليوم / المصرى اليوم

ليس بالأموال وحدها تُبنى الأوطان

قلة الموارد هى أكثر الأعذار انتشارا بين بعض من يتولون المسؤولية العامة للدفاع عن إخفاقهم فى تحسين الخدمات، أيا كانت، أو تحقيق أى إنجاز، مهما صغر. والحقيقة أن العكس هو الصحيح. ما يمكن تحقيقه فى حدود الموارد المتاحة أضعاف ما يمكن أن تحققه الموارد الإضافية، وذلك لأن ما هو متاح من موارد بشرية ورأسمالية وبنية مؤسسية فى أى وقت عادة ما يكون أكبر بكثير من أى إضافة إليها. عدم استغلال الموارد المتراكمة بكفاءة قد يعنى أن تخصيص مزيد من الموارد، رغم ضرورة ذلك فى بعض الأحيان، سوف يؤدى إلى التقاعس عن الإصلاح واستمرار مسلسل إهدار الموارد النادرة.

للتدليل على صحة ما سبق، دعونا نطرح بعض الأمثلة. هل يتطلب الأمر موارد جديدة لأن يلتزم المدرس بالوقوف أمام تلاميذه فى الفصل شارحا، أو أن يتواجد الطبيب فى المستشفى لعلاج مرضاه، أو أن يكرس العامل أو الموظف الجهد المطلوب لأداء مهامه؟ وما هى الموارد المطلوبة ليقوم الموظف العام بدوره المنوط به فيما يتعلق بسلامة المبانى والطرق، وتطبيق المواصفات الصحية ومواصفات الدواء، وضبط المرور؟ ألم يتم تشغيل كل هؤلاء لأداء مهامهم دون تقصير؟، وعندما لا يحدث ذلك ألا يتسبب ذلك فى ضياع استثمارات كبيرة على الأمة تفوق فى حجمها أى استثمارات جديدة؟

أعتقد أن الإجابة على الأسئلة السابقة واضحة، وأن المفتاح الحقيقى للإنجاز يكمن فى الإدارة الكفؤة لما هو متاح من موارد قبل كل شىء. ونظرا لاستشراء ظاهرة إهدار الموارد فى كل مناحى حياتنا، اسمحوا لى بالتركيز فى هذا المقال على تجربتين فقط. التجربة الأولى مضيئة، وتأتى من «جامعة القاهرة». التجربة الثانية، وهى أقل إضاءة، تأتى من اتحاد الإذاعة والتليفزيون «ماسبيرو».

فى تجربة جامعة القاهرة، تم انتخاب الدكتور «جابر نصار» رئيسا للجامعة منذ أربع سنوات. كانت الظروف السياسية حينئذ شديدة الصعوبة، من احتقان داخل الجامعة وخارجها، وتدنى الترتيب الأكاديمى لجامعة القاهرة عالميا، وشح الموارد، نظرا لارتفاع عجز الموازنة العامة. ماذا فعل جابر نصار للتعامل مع هذه التحديات؟ بهمة المناضل الصنديد، تحرك على عدة محاور: الإصلاح المالى والإدارى ومحاربة الفساد، والارتقاء الأكاديمى، ومجابهة التطرف. الإصلاح المالى جلب مليارات الجنيهات التى تم استخدامها فى العديد من أعمال التطوير، بما فى ذلك مستشفى قصر العينى ومستشفى أبوالريش. وتم تحفيز الأساتذة على النشر فى الدوريات العالمية، وهو ما ساعد فى تقدم جامعة القاهرة فى التصنيفات العالمية. مواجهة التطرف تمت بنشر الفكر المستنير من خلال حزمة من الأنشطة الثقافية، وإفساح المجال للفن الراقى، وتفعيل الأنشطة الرياضية. هذه الإنجازات تم توثيقها فى عدد خاص من مجلة الجامعة بمناسبة إعلان جابر نصار التخلى عن منصبه وتولى المسؤولية رئيس جديد.

فى تجربة «ماسبيرو»، بدأ منحنى التدهور بعد فتح المجال الإعلامى للقطاع الخاص، واستفحلت المشاكل فى السنوات الأخيرة. هذه المؤسسة العريقة تملك من الموارد ما ليس متاحا لغيرها، من ملكية لعدد من الشركات بنسب مختلفة (منها القاهرة للصوتيات والمرئيات، ومدينة الإنتاج الإعلامى، ونايل سات)، فضلا عن ملكية العديد من الأصول المادية وغير المادية. لكنها مكبلة فى نفس الوقت بكل أنواع المشاكل، من انخفاض وتيرة الإنتاج الإبداعى وضعف المشاهدة، إلى ارتفاع أعداد الموظفين ومديونيات متراكمة لبنك الاستثمار القومى وصلت إلى 27 مليار جنيه. لم يتم استغلال ثروات هذا الصرح الكبير بكفاءة، ولم يتم التأقلم مع تغير الظروف، ولم تقم الدولة بمد يد العون فى الوقت وبالشكل المناسبين. الآن نرى مشهدا عبثيا، تقوم الدولة فيه بمقاضاة الدولة، بحكم أنها المالك لبنك الاستثمار القومى و«ماسبيرو». قد يكون تولى الهيئة الوطنية للإعلام زمام الأمور منذ فترة قصيرة فرصة لإجراء جراحة طال انتظارها، لكن يبقى ذلك فى خانة التمنى حتى الآن.

هل الدرس المستفاد من هاتين التجربتين أن نضع جابر نصار فى كل مؤسسة للنهوض بها؟ لا أعتقد ذلك، حيث إن إنجازاته نابعة من سماته الشخصية بدرجة كبيرة. ما يمكن أن يزيد من فرص النجاح مستقبلا هو:

■ اختيار قيادات المؤسسات العامة بناء على معايير موضوعية، بشكل تنافسى لا يقتصر على من يعملون فى الدولاب الحكومى، وبناء على رؤية المرشحين للإصلاح.

■ أن يصاحب ذلك متابعة جيدة للأداء، والتغيير إذا تطلب الأمر.

■ وأن تلتزم الحكومة بمد يد العون لهذه المؤسسات، وليس مقاضاتها، حيث إن مسؤولية الإخفاق التى وصلت إليها الأمور تقع على عاتق الطرفين.

خلاصة القول، قلة الموارد الجديدة ليست عذرا مقبولا لتدنى مستوى الخدمات العامة. فى إطار عدم الكفاءة فى استغلال الموارد المتاحة، ضخ أموال جديدة قد يعنى إهدارا جديدا للموارد. طبعا هناك حالات لابد فيها من تخصيص موارد جديدة، مثل مشاريع مياه الشرب والصرف الصحى والطرق والكهرباء وبناء المدارس والمستشفيات. لكن من الحكمة أن نتذكر أن زيادة الموارد شرط ضرورى فى بعض الأحيان، ولكنها ليست شرطا كافيا بكل تأكيد.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة كتاب المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا